السرد العربي القديم: من التراث إلى النص
الفنون الأدبية
الخميس, 19 مايو 2011 20:53

السرد العربي القديم: من التراث إلى النص

تجربة سعيد يقطين نموذجا

د. حاتم الصكر

جامعة صنعاء

-1-

لم يحظ السرد العربي القديم بالعناية الكافية من الباحثين العرب المعاصرين رغم الاتفاق على وجوده وتوفر نصوصه المندرجه ضمن أنواع وأجناس سردية مختلفة كالأخبار والنوادر والحكايات والأمثال والمسامرات وأنواع القصص المتقدمة كالمقامات وقصص الحيوان والقصص الخيالية والشعبية والمنامات والرحلات والسير وسواها وقد يرجع ذلك في بعض أسبابه إلى استمرار النظر إلى الموروث الأدبي العربي على أنه متمركز في الشعر فقط أو ان الهوية الثقافية للتراث تتجلى في «أو من خلال» الشعر في المقام الاول لما تميزت به الشعرية العربية من قوة ونفوذ وانتشار وفرها لها تاريخها وإنتظامها الداخلي ونصوصها المنوعة عبر العصور وقوانينها ولغتها وإيقاعها والذرى النوعية التي وصلتها القصيدة العربية الموروثه.

ولكن سبباً آخر لتراجع الاهتمام بالتراث السردي قد يشترك فيه هذا التراث مع الموروث النثري العربي كله وهو هيمنة الشعر اصلاً في التراث بسبب الشفاهية التي رافقت أوليات الأدب العربي وتحكمت في إنتاج الثقافة العربية فالنثر- وهو القسيم الشقيق للشعر في حاضنة الأدب - لم يتيسر له الانتشار والنفوذ لما يتطلبه من هيئة كتابية ليس فقط في تدوينه ولكن أيضاً في تأليفه لأن الشفاهية كانت حاجزاً يحول دون التفكير بالمكتوب فتفرض الشفاهية أعرافها وإجراءاتها في عقل الكاتب قبل الاصطدام بالصعوبات الموضوعية كندرة الكتاب وغياب التعلم والتدوين الخ..

 

هذان السببان المعاصر والقديم رغم تباعد نشأتهما ونوعهما كتعلق الأول بالتلقي المعاصر والثاني بالشعرية العربية ذاتها كانا وراء هيمنة الشعر على مساحة البحث المعاصر نقدياً وأكاديمياً حتى صار «مصطلح الثقافة» العربية في مرحلة ما يحيل إلى مفهوم محدد هو الشعر دون

 

سواه مما أضر بصورة الأدب العربي في تلقي معاصرينا والدارسين منهم خاصة.

 

 

 

-2-

 

لقد عانى مفهو م التراث نفسه من التباس كبير فإذا ما استقر «المصطلح» ليدل على النتاج العقلي والفكري للعرب في مرحلة زمنية متقدمة «فإن المفهوم» نفسه كان يعاني من تلك الالتباسات والبلبلة فقد اخذ يندرج تحته كثير مما يقصر عن الإضافة والتأثير والحضور في عصرنا، وقد جرى بسبب ذلك أمران يؤديان إلى نتيجة واحدة هي النفور من التراث والنظر إليه عقبة في طريق المعاصرة والحداثة من بعد.

 

الامر الاول: التهافت على كل ما كتب في «الماضي» زمنياً، وتحقيقه ونشره بكونه «تراثاً» رغم ظرفيته وتدنى مستواه وتخلف مفاهيمه .

 

والثاني: النظر الى مادة التراث نظرة «انتقائية» تختار منه ما يناسب أيديولوجية صاحبها أو معتقده او رؤيته.

 

ويتعلق بهاتين النظريتين اللتين شجعت الجامعة من جهة والمجددون او الاحيائيون في عصر النهضة من جهة اخرى على اتساع أثرهما موقف أخر يتذبذب بين رفض التراث كماض منقض او اسقاط الحاضر عليه لسلبه سياقه وظرفيته وهو ما جعلنا نخسر الكثير من تراثنا او ان يأتينا منبهاً اليه من الغرب كما جرى للتراث الشعري الصوفي خاصة.

 

إن مراجعة التراث تستلزم الوعي به: وعي الحاضر بالماضي وقراءته وتأويله فالوعي بالتراث هو وعينا بالمنجز البشري نفسه وليس بتقديس الزمن او الخوف منه وحراسته والدفاع عنه دون فهمه وفحصه وكشف قوانينه وذلك ما نعتقد أنه منطلق أساسي للذهاب إلى التراث في أغنى نقاطه وأكثرها معاصرة.

 

 

 

-3-

 

ربما أصبح الآن ما قلناه في الفقرة السابقة سبباً ثالثاُ لابتعادنا عن التراث السردي العربي خاصة فإذا كانت قراءة الشعر الموروث وهو فن العربية الاولى تتعرض لذلك الالتباس والفهم القاصر فكيف سيتم النظر إلى المدونات السردية وهي تقبع في هامش الثقافة العربية لكون الانواع السردية الحديثة وصلت الينا بطريق الغرب كالقصة والرواية والمسرحية؟

 

لكن تحديث المنهج النقدي العربي في الربع الأخير من القرن الماضي تحديداً وما حصل «ثورة» منهجية مست الإجراءات والآليات وغيرت كثيراً من مفاهيم الشعرية السائدة وقد ساعد في العودة إلى التراث والي مناطق محددة منه يمكن الإشارة إليها موجزاً في الشعر بإحياء الهوامش والمهمشين ولأسباب متعددة ثقافية واجتماعية وسياسية ودينية وفي السرد ساعد التعرف على نظريات السرد الحديثة وعلومه وترجمتها إلى العربية على العودة إلى النصوص التراثية السردية لفحصها وتقديمها ليس بالامتثال الى المعاصرة او بث روح الحاضر فيها وإنما بواسطة إجراءات جديدة يمنحها الجهاز السردي الضخم الذي يفضل انضباطه وتنظيمه للقراءة أطاح بالقراءات الانطباعية والتعليقية للسرد، والمكتفية بتلخيص الحبكات والتعليق على المضامين في العادة، وهو عين ماجرى في مجال قراءة المتون السردية المعاصرة. في القصة والرواية خاصة».

 

 

 

-4-

 

لعلها مفارقة حقاً أن تكون المناهج النقدية الحديثة وتيارات الحداثة في تحليل الخطاب والسرديات ودراسات الشعرية هي التي ستعيد للسرد القديم قيمته واعتباره.

 

ومثلما جرى في الغرب حيث تمت قراءة ألف ليلة وليلة مثلاً بكونها تجسداً للمخيال العربي، وصورة للحكي الغني المحكوم بقوانين خاصة، بخلاف النظر المعتاد اليها في الدراسات الاستشرافية الأولى، فقد تمت في النقد الأدبي العربي العربي الحديث قراءة المتون السردية العربية الموروثة في ضوء علوم السرد وماتهبه السرديات من امكان الكشف عن مكونات الخطاب السردي، وصولاً الى مستويات السرد في النص نفسه.

 

وما قدمه نقاد السرد العرب ليس خافياً كمنجز في هذا المجال اذا مااسترجعنا جهود كتاب مثل عبدالفتاح كيلطوومحمد مفتاح في المغرب ومحمود طرشونة في تونس وعبدالله ابراهيم في العراق وساهم من الكتاب المهتمين بالسرد العربي القديم في ضوء المناهج الحديثة التي لاتكتفي بوصف النص او كشف مضامينه، وانما تتجه الى كشف قوانينه وكيفيات انتظامه، وعلائقه، الى جانب عناصر السرد التقليدية فيه والتي صار التعرف عليها«كأصناف الرواة وأنواع السرد والمروي» جزءاً من مظاهر تنظيم الخطاب السردي وإكسابه علمية ومنطقية. وفي هذا المجال تبرز جهود باحث مغربي شاب هو سعيد يقطين الذي بدأ اشتغاله المبكر في السرديات عبر تحليل الخطاب الروائي لاسيما في كتابه «تحليل الخطاب الروائي» وكتاب «انفتاح النص الروائي» ولكن جهوده لم تتوقف عند حد الاهتمام بالخطاب والنص وانما تجاوزتهما الى البحث في القصة او المادة الحكائية، وهو ماجسده في كتبه اللاحقة وهي: «الرواية والتراث السردي» و«الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي» و«قال الراوي - البنيات الحكائية في السيرة الشعبية»ومختاراته من السيرة الشعبية التي ضمها كتابه «ذخيرة العجائب العربية».

 

 

 

-5-

 

سوف نعني في هذا الجزء من الدراسة بجهود سعيد يقطين في مجال السرد العربي القديم بصفة خاصة، ونبدأ بمنظومه للتراث، حيث يعترض اولاً على الدراسات والبحوث المعاصرة حول هذا التراث، لأنها تتم عن «التكرار والاجترار» وذلك في رأيه يباعد بيننا وبين فهم هذا التراث الزاخر، وتقييمه التقييم المناسب، بسبب كونها لم تأخذ بأسباب البحث العلمي.. في معالجة الجوانب التراثيةوبديلاً عن ذلك يوضح الكاتب مبتغاه بالسعي الى قراءة التراث بأدوات جديدة، وبأسئلة جديدة، وبوعي جديد، ولغايات جديدة.

 

واحسب ان التحديد الأخير ألزم دارس التراث - او اقترح عليه- توفر أربعة أشياء جديدة هي:

 

أدوات - اسئلة - وعي - غايات

 

الأولى تتعلق بالاجراءات المنهجية، والثانية بالهم الفكري المصاحب للقراءة، والثالثة: بالموقف وزاوية النظر، والأخيرة بالقصد او الغرض من العودة الى التراث.

 

وهذه الاشتراطات تحقق أكثر من هدف، فهي تتطلب نوعاً خاصاً من الباحثين المجددين منهجياً والمهمومين بمساءلة التراث والبحث عن اجابات في متونة، والواعين بقضيته والقاصدين استنباط قوانينه ونظمه او أدبيته بالاحتكام الى نظرية الأدب. ولكن هذه الشروط ليست قسرية او قهرية، فالتراث كما يرى سعيد يقطين شبيه بكتاب الصور العائلية الذي يضم افرادها في مراحل مختلفة ومتباعدة.

 

 

 

وسيفترض الكاتب أن أفراد العائلة سيعودون- منفردين- كي يعاينوا هذه الصور بعد زمن، وسنرى أن هذا «العالم الصوري الذي يتشكل منه الكتاب يثير لدى كل منهم عوالم جزئية وأخرى كلية، خاصة وعامة، ويتباين هؤلاء الأفراد في زوايا النظر وأبعاده، وتختلف بذلك رؤاهم الى ذلك العالم الايقوني من هذا يستثير أحدهم في ذاكرته اللحظات السعيدة، فيما يعود آخر الى الذكريات السيئة.. ولكن ابرز مايمثل اقحاماً

 

او انتهاكاً لصورة التراث، هو المحمول الايديولوجي الذي يصير التراث بسببه وسيلة في صراع خارج موضوعه وسياقه.

 

كما يعترض الكاتب على تركيز الباحثين لجهودهم في جانب منه، مهملين الجوانب الأخرى المغيبة والمهمشة، ويعترض على مناهجهم في البحث التي يصفها بأنها «تقليدية وناقصة وتجزيئية» .

 

ان غنى التراث العربي وتنوعه وتعدد جوانبه تبعاً لتعدد منتجيه ومراجعهم الاثنية والجغرافية، يتطلب فحص موقف العربي نفسه من تراثه. وهنا يرى الكاتب أن ثلاث لحظات عاشها العربي في علاقتة مع تراثه:

 

- اللحظة الاولى: وتبدأ مع ظهور الاسلام وتغيير رؤية العربي الى ذاته وواقعه وتراثه.

 

- اللحظة الثانية: في القرن الثالث الهجري حيث اتسعت رقعة المجتمع العربي الاسلامي وجرى الاحتكاك مع الامم الاخرى.

 

- اللحظة الثالثة: ويمثلها عصر النهضة الذي مثل لقاءً مع الغرب المتقدم والمسيطر وفي كل لحظة من اللحظات الثلاث يقدم الوعي صورة للتراث وموقفاً محدداً منه. لكنها كلها تعكس حيرة وقلقاً ازاء مفهوم التراث الملتبس والمحير في ذاته.

 

-6-

 

هذا الالتباس في مفهوم «التراث» وقراءته وتقييمه وتفسيره، سيدفع الباحث في مرحلة لاحقة الى اقتراح مصطلح «النص» بديلاً عن «التراث» رغم اعترافه بأن «النص» لا يقل - كمصطلح- عن التراث ابهاماً وشمولية، وهو ماسيدفعه في مرحلة لاحقة لاستبدال «الحكائية» بالنصيحة. مادام استعمال «التراث» يوقعنا مفهومياً تحت وطأة الدلالات الايديولوجية والايحاءات الزمنية، فالباحث يقترح (النص) بديلاً عنه لعدة اعتبارات منها:

 

1- ان مفهوم (النص) مفهوم لازمني لاتصاله بالنصية ذاتها وهي لا تتحدد بزمن معين.

 

2- ذلك يسمح بتأسيس نظرية للنص او معالجته بناءً على تحديد الموضوع ومكوناته وعناصره، اضافة الى تاريخية النص ذاته، وثقافته، ودلالاته...

 

3- دراسة (النص) باعتبار التفاعل النصي أي علاقته بنصوص اخرى من أجناس مختلفة ظهرت في الفترة نفسها او ما سبقها او ما تلاها.

 

بذلك نتجاوز الانتقائية والايديولوجية في دراسة التراث.. ونقيم اعتباراً لبنيات النص الخاصة وعلاقاته مع سواه.

 

 

 

-7-

 

يتيح لنا الاهتمام بالنص تحديداً لا التراث بعموم وشمولية، أن نعاين المُقصى او المغيب وهو الذي يسميه الباحث (اللانص) بحسب تقسيم العرب لإبداعاتهم، وامتثالاً للعملية النقدية والبلاغية العربية التي انصبت كما يرى الباحث «على انواع معينه من الابداعات اللفظية وتم إغفال وتجاهل قطاعات عديدة من الابداع اللفظي ذاته»، أي أن بعض النصوص دخلت اطار ما يعرف بالنص بشرعية وقبول، فيما أقصي البعض الآخر ليدخل دائرة (اللانص) رغم توفر (النصية) فيه وهي صفة يستخدمها الباحث مقابلة للأدبية في النثر والشعرية في دراسة الشعر.

 

ولكن: كيف نظر العرب الى (النصية) او المقومات التي تتحقق في الكلام ليغدو نصاً؟ هذا ما سيستوقف الباحث ليستقصي تلفظات ابن وهب الكاتب في (البرهان في وجوه البيان) وابن الجوزي في (كتاب القصاص والمُذكرين) حيث يكتشف تحكم ثنائيات اخلاقية وقيمية في تحديد هوية (الكلام) -جنسه ونوعه ونصيته- وهوية المتكلم أيضاً «فثمة السفهاء والجهلاء، بمقابل العلماء والحكماء، وكلامهم هو السخف والهزل، بمقابل الجد والجزل، وثمة ثنائىات كثيرة: الحسن والقبيح، الفصيح والملحون، الصواب والخطأ، الصدق والكذب، الحق والباطل... الخ». وفي هذا تركيز على نوع المتكلم وموقعه الاجتماعي (خواص/ عوام..) وعلة نوع الكلام وصفته ومحتواه، وعلى قصد الكلام من جهة كونه محموداً أو مذموماً..

 

وسيتضح أن (النص) في هذا التقسيم هو ما كانا قائله من الخواص، ونوعه مسايراً للأخلاق، وقصده محموداً ومقبولاً.....

 

أما (اللانص) فقائلة من العوام، ونوعه خارج مقاييس الخلق السائد، ومقصده الهزل او الاحتيال..

 

وهذا التقسيم ينطبق على القص والقصاصين لدى ابن الجوزي فبعضهم عنده لا يتحرون الصواب، ويُدخلون في الدين ما ليس منه، فأفسدوا العوام بما يقصون عليهم، كما أن ذلك يشغل الناس عن قراءة القرآن، مع أن في القرآن والسنة من القصص والوعظ ما يكفي عن غيره.

 

وهاتان الصورتان عن النص واللانص (من ابن وهب وابن الجوزي) لهما نظير في فتاوى الفقهاء أيضاً، كتحريم بعضهم بيع كتب القصاص وشراءها، والنهي عن سماع القصص، وعدم جواز إمامة القاص ولا شهادته...

 

 

 

-8-

 

 

 

يستدل الباحث بعد هذا الاستقصاء المضني والربط المحكم للوقائع والاخبار لاستنتاج نظرية نصية عربية، على ان النتاج السردي هائل وضخم في التراث العربي ولكن أغلبه ضاع بسبب الرواية الشفهية وعدم التدوين، وان أغلب ما ضاع هو من النتاج ذي الطبيعة السردية، وأن ما اعتبره النقاد العرب والمؤرخون (لانصاً) هو في تقدير تقليد أدبي محدد لا يوافقه كثير من المتلقين (العوام) لأن هذا التمييز بين (النص) و(اللانص) «يستند الى أبعاد ثقافية واجتماعية وتاريخية» يترتب عليها «اصطفاف ثقافي ومعرفي له مبرراته الحضارية في حقب ثقافية وتاريخية معينة» ودليله على ذلك تبدل النظر الى النص واللانص، فما كان يعتبر (نصاً) -كالسيرة الشعبية مثلاً- سيكون (نصاً) في فترات لاحقة، وبتقدير متغير أو جديد، وهذا التقسيم سينسحب على العصر الحديث أيضاً، ولدى

 

المعاصرين او المحدثين، لأنهم جميعاً واقعون تحت مبدأ (الملاءمة) أي الى قياس مدى ملاءمة النص للنص النموذج، ومدة ملاءمته المنهجية كموضوع للبحث والدراسة.

 

أما الغربيون فقد أعطوا (اللانص) صفة النصية خلال دراستهم، كما حصل عند معاينتهم للسيرة الشعبية، على سبيل المثال، وهي التي سينشغل سعيد يقطين بمادتها الحكائية وتجنيسها، وتصنيف مفرداتها لاحقاً.. وكأنه يريد بذلك أن ينسب للدارسين الغربيين في مجال السرد الفضل في كشف نصية اللانص، مثلما كان للباحثين الغربيين في كشف شعرية المهمّش والمقصي في المتون الشعرية العربية..

 

إن الباحث يرى أن التمييز بين (النص واللانص) تعود في جذورها الى الثقافة العربية المبكرة، بدءاً بمرحلة جمع وتدوين آيات القرآن الكريم وحرق المصاحف المغايرة للمصحف العثماني، ثم تصنيف الأحاديث بحسب مكانة رواتها وصلاتهم بمن يرون عنهم ونوع المروي..

 

 

 

-9-

 

 

 

يرى الباحث أن السيرة الشعبية تعد مثالاً لتبدل الموقف من (اللانص) وصيرورته (نصاً) وترتب على ذلك تغير النظرة الى السيرة الشعبية العربية، واهتمام الدارسين بها بعد الحرب العالمية الثاناية، وذلك لأسباب تتعلق بالوعي أو النزوع القومي -التحرري في مواجهة الاحتلال والاستعمار، وبفعل بروز مقولة (الشعب) العربي المحملة بشحنات تحررية وسياسية والى ما في السيرة الشعبية ذاتها من (بعد قومي وبطولي) يضاف الى ذلك ما طرأ على م فهوم الأدب نفسه من تغير، وما حظي به الأدب الشعبي من مكانة خاصة.

 

ولاشك أن النزاع او الصراع مع الغرب منذ عصر النهضة حفز الباحثين على البحث عن جوانب دفاعية كان منها السيرة الشعبية.. وما تبعته من عزائم وهمم في النفوس.

 

هكذا غدا (اللانص) الذي لا يوافق الاشتراطات النصية التقليدية، (نصاً) له مكانته في الأدبية العربية. وهو ما حدا الى البحث فيه من حيث مادته الحكائية، وتجنيسه، والبحث في أطره الحكائية، ورواته، وعجائبيته، وجوانب (النصية) فيه.. وهو ما سينصرف اليه جهد سعيد يقطين الأخير في جمع مادة السير الشعبية، ودراستها سردياً ودلالياً، ثم تطوير جهازه الاصطلاحي من داخل حفرياته في نص السيرة الشعبية، وما يترتب عليه من تطوير الآلية المفهومية والاجرائية المستخدمة في البحث.

 

 

 

-10-

 

 

 

تمثل جهود سعيد يقطين نموذجاً للكد النقدي المتواصل، وتطوير الأدوات والاجراءات المنهجية.

 

فبعد أن مر الباحث بطور الانبهار بالجهاز الاصطلاحي والمفاهيمي الهائل للبنيوية وما تفرع عنها من دراسات في مجال السرديات، وأنصرف الى بناء اجتهاده النظري الخاص، ص احب ذلك التحول المنهجي اهتمام باللانص او النصوص الهامشية، والسرد القديم على وجه التخصيص، وجانب السيرة الشعبية منه بالتحديد.

 

ولاشك أن جهده هذا يحسب له في رصيده العلمي والنقدي، فالنص السيري الشعبي ظل نهباً للحكي الشفاهي او التدوين (الشعبوي) غير المنقح أو المدروس.. لكن جهود الباحث وعدد من زملائه في المغرب والمشرق، جعلت النظر الى نص السيرة الشعبية منهجاً وعلمياً، وسواء بالأدوات او الاجراءات او الغايات.

 

لقد كان الكاتب نفسه (في مرحلة اهتمامه بالخطاب والنص كما: يعترف في أكثر من موضع) واقعاً تحت تأثير المفهوم الذي ينتقده في (الكلام والخبر) ويقترح فيه هدم ثنائية (النص/ اللانص) في التراث السردي العربي.

 

لقد كان الباحث لسنوات يهتم بما يأخذ صفة (النص) في العرف النقدي الحداثي، أي ذلك المستجيب لحداثة أسلوبية وانتظام بنيوي ونسقي خاص، تصاحبه هموم معاصرة او حديثة وعبر اشكال متفق على حداثتها (كالرواية والقصة..) وبذلك أقصى من ذاكرته ما لا يعد (نصاً) وفق ذلك. ومنه (النصوص) او (المتون) السردية العربية القديمة، ومنها نص السيرة الشعبية ذاته.

 

كما أن الجهد الرائع الحيوي والدال على تفتح عقلي حواري مع المقروء، لم يتخلص من الاعجاب بجهد الغرب، فنسب الى باحثيه فضيلة اعتبار (اللانص) نصاً من خلال تجنيسهم للسيرة الشعبية ودراستهم لها، او حتى مجرد تنبيههم على متونها.

 

والباحث يغفل بهذا، ما فعله باحثون عرب قدامى في مسائل اخرى اكثر خطورة، تمس جوانب من المهمش والمغيب في الثقافة العربي التقليدية. وسأضرب مثلاً لذلك بنص (الحمق) او (الجنون) الذي رأى فيه مؤرخون وباحثون كبار ومكرسون (نصاً) جديراً بالدراسة (يراجع كتاب عقلاء المجانين مثلاً او أخبار الحمقى والمغفلين)، اضافة الى اخبار الموسوسين وسواهم من الشعراء في بعض المعاجم.

 

فلماذا لا نعد جهودهم محاولة في تنصيص ما لا يُعد نصاً في عصرهم؟

 

- وما دام التراث أشبه بكتاب الصور العائلي الذي يرى كل فرد فيه صورته، فلماذا لا يظل التجنيس والتنصيص مفتوحين كذلك كل اجتهاد ما دام النص السردي التراثي نفسه يحمل غناه وديمومته.. أي ينطوي على نصيته التي تؤكد أدبيته وانتظامه السردي؟ او (حكائيته) في المفهوم الأخير المقترح من طرف الباحث، وهو دائم التحول في اجتراح المصطلحات والمفاهيم تعبيراً عن قلق دائم، هو سمة طيبة فيما أرى، تسم جيل النقاد العرب الشباب الذي (عقلنوا) و(منهجوا) نقدنا العربي بعد ضياع ملامحه في غمرة الانفعالية والانشائية ونقد الشروح والتغيرات والاحكام القيمية التي لم تضف الى الدرس النقدي شيئاً ذا أهمية.

 

 

(٭) من الدراسات المقدمة لمهرجان

صنعاء الثالث للقصة والرواية

- صحيفة 26 سبتمبر -

 

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

فيديو