تطـور المصطلحـات المعجميـة والمعجماتية وإشكاليـة الوضـع والترجمـة
اللغة العربية - الترجمة والمصطلح
الأحد, 23 مايو 2010 17:27

تطـور المصطلحـات المعجميـة والمعجماتية

وإشكاليـة الوضـع والترجمـة

د. عبد الغني أبو العزم

كلية الآداب، عين الشق - البيضاء - المغرب

 

يواجه البحث العربي في مجال المعجمية والمعجماتية المعاصرة إشكالية وضع المصطلحات الملائمة لغة وعلما لكي تؤدي المفاهـيم المــراد تحديد دلالتها العلمية، وإذا كان التراث المعجمي العربي قد اهتم بالتطبيق والممارسة والتجريب دون اهتمامه بوضع النظريات والتصورات، فلأن طبيعة إنجاز المعاجم، تمر عبر التطبيق والممارسة والتجريب.

تعتبر بداية الخليل تدشينا في عالم التأليف المعجماتي العربي، وقد استطاع المعجماتيون العرب فيما بعد أن يؤسسوا مدارس في ميادين تأليف المعاجم، ويمكن القول إن علم المعجماتية العربية أكثر العلوم التي لم تهتم بوضع المصطلحات مع وجود تراث ضخم يتضمن قيمة علمية لا يستهان بها، ولا تسعفنا مقدمات المعاجم العربية القديمة على ضبط أي مصطلح إن وجد، فنحن علـى سبيل المثال، لا نجد في مقدمة لسان العرب أي إشارة لأي مصطلح معجمي باستثناء المصطلحات النحوية والصرفية والصوتية مع محدوديتها ، أما مقدمة المحيط للفيروزابادي فهي تخلو من أي مصطلح .

بديهي أن يغيب تحديد المصطلح، وهذا الأمر ليس خاصا باللغة العربية، فهو يشمل كل اللغات في مراحل نشأتها وتطورها، وما يدعو إلى خلق وإبداع المصطلحات هو تطور البحث العلمي والتقدم في الدراسات والأبحاث، ويأتي هذا الخلق إما من صلب اللغة القومية، وتطور البحث اللغوي فيها، أو بتفاعل مع الأبحاث اللغوية في اللغات العالمية.

وإذا كان التأليف المعجماتي من الميادين اللغوية التي برع فيها العرب، وأبدعوا فيها أضخم المؤلفات، ولهم فيها تقاليد وأصول، فإن هذا وحده كفيل بأن يدفع بالبحث العلمي المعاصر أن يعيد ربط حاضره بماضيه في أفق تطوير مادة المعاجم، ومسايرة التطور الموازي لها في مجال المعلوماتية واللسانيات وعلم الدلالة.

لا يمكن لأي تطوير لمادة المعاجم أن يتم دون تحديد دقيق لأدوات البحث، وفي مقدمتها قضية المصطلح، وفي هذا الصدد وكما هو الشأن بالنسبة لمختلف العلوم في مجال البحث العربي نصادف تعدد التسميات للمصطلح الواحد، ولن أبحث في الأسباب لكي لا أسقط في التكرار، وهي إن كانت متعددة فإنها تعود لجوهر واحد يتجلى في الانفصال الابستمولوجي عن التراث، وقد تحول إلى قدسية جامدة مما يحول دون تطويره، هذا بالإضافة إلى غياب التفاعل والتواصل مع المنجزات العلمية المعاصرة، وإذا قمنا بحفريات لغوية ومعجمية، فبإمكاننا حل قضية المصطلح وبتفاعل وتواصل مع العلوم الحديثة، وهذا ما حاوله الباحث محمد رشاد الحمزاوي عندما اتجه إلى إنجاز معجم خاص بالمصطلحات المعجمية العربية وإن كان لم يكمله بعد .

ارتبط ظهور المعاجم بعلم اللغة، الذي يقول عنه الفيروزابادي : "هو الكافل بإبراز أسرار الجميع" ، وكان له هدف معين في بدايته، وهو كما يراه يتمثل في "بيان الشريعة لما كان مصدره عن لسان العرب، وكان العمل بِموجَبه لا يصحُّ إلا بإحكام العلم بمقدّمته، وجب على رُوَّام العلم وطلاب الأثر أن يجعلوا عُظْم اجتهادهم واعتمادهم، وأن يصرفوا جُلَّ عنايتهم في ارتيادهم إلى علم اللغة والمعرفة بوجوهها والوقوف على مُثُلها ورسومها" .

وتشكل هذه الإشارة الملحة ضرورة العودة إلى علم اللغة المفتاح العلمي للتعامل مع مجمل العلوم المرتبطة به.

حاولت المعاجم القديمة في تعاملها مع مفردات اللغة أن تستقصي الدلالات، وتبحث في المعاني المختلفة للمفردة وأحوالها وطقوسها، واختلفت مواد المعاجم من معجم إلى آخر، فإذا كان"الصحاح" قد اشتمل على أربعين ألف مادة، فإن "القاموس" توسع فيها وجعلها ستين ألف مادة، بينما جعلها ابن منظور في "لسان العرب" ثمانين ألف مادة.

إن ما يهمنا هنا هو أسلوب التعامل مع المواد اللغوية في المعجم العربي القديم، وإذا أخذنا "القاموس المحيط" نموذجا، نجده موزعا بين ثلاث طرق: 1 - معالجة المادة المفسرة بالاسم، يبين معانيها المتعددة ويليه الفعل. 2- البدء بالفعل ثم الانتقال إلى الاسم مستقصيا معاني كل منهما. 3- اقتصار تفسيره للمادة على الفعل أو الاسم .. ولم يكن الفيروزابادي يلتزم في قاموسه طريقة واحدة، وغالبا ما نلاحظ تداخل الطرق في تفسير المادة الواحدة.

وهو في كل ذلك يتعامل مع المفردة معجميا ودلاليا، ويجب أن ننبه هنا أن "قاموس المحيط" هو مادة مختصرة من ستين سفرا، ولاشك أن "لسان العرب" الذي يعتبر موسوعة لغوية، بجانب "تاج العروس" للزبيدي، يؤكد الصورة المتداخلة للعمل المعجمي الذي يمس مجالات متعددة، معجمية ومعجماتية ودلالية ونحوية وصرفية وبلاغية، وهذا ما يوضح تجاوز تأليف المعاجم بأحجامها المختلفة إلى ما هو أبعد من الشرح اللغوي، حيث كان الاهتمام ينصب على دلالات المفردة واشتقاقاتها، وتحديد مختلف معانيها وحقولها اللغوية، ولقد ارتبط هذا التوسع والتداخل بالفهم السائد لتفسير اللغة في ضوء نصوصها : القرآن الكريم والحديث الشريف والأشعار ولهجات القبائل والأمثال العربية.

نجد هذا المنحى المشترك في أغلب المعاجم القديمة، وقد توسع مستوى التعبير في اللغة شكلا وجوهرا، مع تحديد مستوى المضمون، والمستوى النحوي والصرفي، ومستوى الانتماء اللغوي للمفردة لتبيان أصولها عربية أومعربة أودخيلة.

يتضمن هذا التوجه اللغوي إزدواجية ما بين المعجمية la lexicologie والمعجماتيـة la lexicographie في إطار الفهم السائد آنذاك لمعالجة القضايا اللغوية.

وهنا أقف لأشرح أولا مضامين هاذين المصطلحين اللذين لهما جذور تاريخية في العمل المعجماتي العربي، ولا نجد لهما مقابلا مصطلحيا بسبب ما أسميته بالانفصال الابستمولوجي عن التراث، ويحاول الآن عدد من الباحثين إنجاز دراسات معجمية عربية حديثة في محاولة لمسايرة ما ينتج حاليا على الصعيد الدولي، وذلك من أجل سد هذا النقص في مجال البحث المعجمي والمعجماتي.

يتميز كل مصطلح من المصطلحين المذكورين أعلاه بتوجه محدد، وكل منهما له مجاله وتقنياته.

-المعجمية: la lexicologie تهتم المعجمية بدراسة المفردات والبحث فيها وفي دلالتها وعلاقتها باللغة التي يتكلمها المجتمع في شموليتها، ويعبر بها عن حاجياته، ولها طابع تركيبي يتجاوز مجال التحليل التقني الممنهج الخاص بمادة المعاجم، وتهتم بما هو حضاري لأي جماعة لغوية، وما تملك من وحدات معجمية، مستقصيا كل حالات التوليد اللغوي المتناسقة، وتقدم مادة للتطبيق المعجماتي، وظلت المعجمية قبل تحول علم الدلالة، باعتبارها مكونا مستقلا للنحو أو السيميائية التي تهتم بالقضايا الدلالية وقضايا اللسانيات.

وهكذا تطورت المعحمية في اتجاهين:

1- المعجمية الإحصائية: وهي التي قامت بإدخال المناهج الإحصائية في اللسانيات.

2- المعجمية الدلالية: وهي التي حددت مجالها في وصف الحقول الدلالية .

-المعجماتية : la lexicographie - تهتم المعجماتية بمجموع أعمال المعاجم التي ينشئها المعجماتي أثناء تعامله مع التعريفات والتحاليل التي يخص بها كل مفردة من مفردات اللغة التي يهتم بها، ويرتبها حسب النسق الذي يختاره، والمعجماتية بهذا المفهوم مجال لغوي تطبيقي، يهدف إلى إنجاز معاجم لغوية أحادية أو ثنائية اللغة، وهي علم يتطلب مهارات ومعرفة في مجال ترتيب المفردات وتحديد معانيها ووصفها، كما يتطلب نظرية (تعريف الوحدات المعجماتية وتصنيف التعريفات).

يبدو من هذه الجهة أن مادة مصطلح "المعجمية" تشمل كل ما يتعلق بعلم المفردات وحقولها الدلالية، حيث نجد إرهاصاتها في منجزات اللغويين القدامى عندما كانوا يتناولون عالم الألفاظ ، لأن فلسفة اللغة وما يتعلق بالمعنى كان محوره الأساسي في كل اللغات يدور حول "المفردة" وهذا ما عبر عنه ألان ري ، لأن الأمر لا يتعلق فقط يالتقاليد الثقافية الغربية، بل بكل اللغات كتابية كانت أوشفوية.

أكيد أن مصطلح المعجمية " la lexicologie" لم يكن ليستقر في التقاليد الغربية بسهولة، وقد عرف تطورا عبر الدراسات اللسانية، وعلى سبيل المثال فإن الدراسات المعجمية التي أنجزها باحثون لسانيون أمريكيون لم تصنف أبدا في خانة علم المفردات، ويعود الفضل في إيجاد منهجية واضحة لهذا العلم إلى بيير جيرو، وهو ما تبلور في مؤلفه "البنى الاتيمولوجية للمعجمية الفرنسية"وحدد قضاياه فيما بعد ج. ماطوري G. Matoré بنظرية التاريخ والمجتمع .

لقد اهتم العرب قديما بالألفاظ، ولهم فيها تآليف مركزة، كما اهتم المعاصرون بالألفاظ، وبالتحديد ما يتعلق بالدلالة، وأول من وضع اللبنة الأولى في هذا الصدد هو إبراهيم أنيس في وقت لم يتحدد فيه بعد "علم الدلالة" كفرع مرتبط بالدلالة وبالخطاب والدلالة المعجمية، وظهرت في بداية الثمانينات مؤلفات تصب في اتجاه علم الدلالة والتطور اللغوي، أولها : "التطور اللغوي التاريخي" للدكتور إبراهيم السامرائي وثانيها "علم الدلالة" للدكتور أحمد مختار عمر، وثالثها "عوامل التطور اللغوي" للدكتور أحمد عبد الرحمن حماد، و "علم الدلالة والمعجم العربي" لجماعة من المؤلفين .

ويمكن القول إن البحث في علم المعجمية لم يأخذ بعد طريقه المستقل ضمن الدراسات اللغوية باستثناء دراسات باحثين عرب باللغات الأجنبية ، وهذا ما يطرح صعوبات جمة في وضع المصطلحات المرتبطة بهذا العلم، وفي إطار ارتباطه بعلم اللغة وبعلم المعلوماتية.

يتحدد موضوع المعجمية من الواقع المعجمي، سواء على المستوى الأبنية (الرصيد اللغوي للمفردات)، أو على مستوى وحدات (المفردة والعرف اللغوي)، إن الأمر يمس مجموع المظاهر الاجتماعية الثقافية المنجزة في التطبيق اللغوي، وإنتاج الخطاب، وتكوين هذه النظرية يتعلق بعدة عوامل :

أ - بتحديد موضوع جزئي في اللسان أو في اللغة: الرصيد المعجمي.

ب - افتراضات تنتج من مختلف أنماط اللسان المتعلقة بتمفصل الرصيد.

ج - معرفة القوانين الداخلية للرصيد المعجمي المعبرة كمجموع وظيفي للإشارات.

د - معرفة وظيفته داخل المجموعات الاجتماعية، وفي التجربة الإنسانية كانت لغوية أوسيميائية .كما تقدم الدراسات المعجمية مادة عملية للتأمل النظري فيما يمس تطبيقاتها في مجال المعجماتية، وهذا التعريف الذي قدمناه لهذين المصطلحين هو الذي حدا بنا إلى اقتراح مصطلحي المعجمية والمعجماتية، بالإضافة إلى اقتراحات أخرى سنقدمها في حينها.

لماذا هادان المصطلحان ؟

إذا ما استقصينا الكتابات المعجمية العربية الحديثة، لا نجد اتفاقا، بل اختلافا وتضاربا في تحديد المصطلح الملائم، فهناك من يصطلح على تسمية المعجمية بعلم المفردات، أو المفرداتية، وهناك من يصطلح على تسمية المعحماتية بعلم صناعة القواميس أو القاموسية أو صناعة المعاجم.

أشار د . عبد العلي الودغيري المتحمس لمصطلح علم صناعة القواميس إلى ضرورة التمييز ما بين المصطلحين المذكورين مشيرا إلى موقف إبراهيم السامرائي في هذا الصدد الذي يعيب على من يستعمل كلمة (قاموس) بمعنى الكتاب الذي يشتمل على قائمة الألفاظ المرتبطة والمشروحة .

ولاشك أن هذا التمييز بين مفهومين تدعو إليه الضرورة العلمية للفصل بينهما في الدراسات المعجمية المعاصرة، كما أشار إلى ذلك د. عبد العلي الودغيري، لأنه من الصعب التعامل مع كل مفهوم منهما على حدة، إذا نحن لم نحسم في عملية التمييز، كما سنبين ذلك فيما بعد.

وإذا كان مصطلح المعجمية قابلا للتداول وينساق مع المفهوم العام لكل ما يتعلق بدراسة المفردات في حقولها المختلفة، فإن مصطلح "المفرداتية" يتضمن بدوره جوهر ما يؤديه البحث المعجمي، إلا أنه يبتعد عن المادة الاشتقاقية (ع ج م) ويحدث عطبا في السياق الذي نريده لمصطلح المعجمية.

ما يثير الإشكال هو ما يمس مجمل المصطلحات الجديدة والمرتبطة ارتباطا عضويا بعلم المعجمية، ويمكن أن نقدم جانبا منها.

Lexème, Lexi, Lexicalisation, Lexique, Lexicomètre، وما نلاحظه هو ارتباط هذه المصطلحات بجذر لاتيني محدد، يتولد عبره كل مصطلح جديد، وأعتقد أن اللغة العربية كلغة اشتقاقية قادرة على إعطاء بدائل من نفس جذر(ع ج م) وسوف نقدم فيما يلي خلاصة هذا التجريب اللغوي في تعاملها مع المصطلح المعجمي.

-Lexème- يستخدم هذا المصطلح في علوم الدلالة والسيميائية واللسانيات والمعجمية، وهو يعني المعنى الخاص للكلمة ويطلـق على الصيغمات المعجمية morphèmes lexicaux les ، أي جزء الكلمة الذي يشير إلى وظيفته النحوية (حركة إعرابية/ زائدة/ حرف من حروف المعاني/ أداة)، ويعتبر بهذا المعنى من الإشارة الصغرى، والمقابل الذي نقترحه لمصطلح lexème هو العَجَم، جمع عجوم، وهي تعني في الأصل صغار الإبل، كما يمكن أن يدل هذا المصطلح على صغار الكلمات، كما أن العَجَم أو العَجْم تعني أيضا النوى أو الأصل، وهو مانراه ملائما لمصطلح Lexème، ولأن حروف المعجم: هي الحروف المقطعة من سائر حروف الأمم، ومعنى حروف المعجم، أي حروف الْخَطِّ الْمُعْجَمِ ، ونود أن نشير أن د. عبد السلام المسدي يصطلح على تسمية lexème المأصل، وفي رأينا، أن هذا الاصطلاح لا يؤدي المعنى في مجال المعجمية ، بينما نجد د.أحمد مختار عمر يحتفظ بالكلمة الأعجمية: ليكسيم ، وهذا ما نجده في معجم المصطلحات اللغوية لرمزي منير بعلبكي ، كما هو الشأن عند الخولي مع إضافة "مفردة مجردة" أما بسام بركة فلقد أضاف إلى "مفردة مجردة" "وحدة"بينما احتفظ معجم "علم اللغة الحديث" بـ "مفرد" أما المعجم الموحد للمصطلحات اللسانيات فلقد وضع "مفردة متمكّنة" .

أما مصطلح lexi فهو يستخدم كمصطلح في الدراسة المعجمية للدلالة على الوحدة الوصفية، وهو يرتبط بمفهوم الصيغم المعجمي، وبالمكان الذي يحتله في نظرية الدلالة، وهو يطرح الإشكال نَفْسَهُ عندما نسعى إلى تعريف الكلمة أو اللفظ، والنحاة العرب شعروا بضرورة التمييز بينهما، فإذا كان اللفظ يتحدد في عملية النطق، أي التلفظ وما يتحكم فيه من صوت، فالربط بين الأصوات هو ما يعطي معنى، ويطلق عليه في هذه الحالة "الكلمة" وهي أخص لأنها لفظ دل على معنى، ونفس الإشكال تواجهه اللغات الأوروبية في تحديدها لدلالة "كلمة" .“ Mot” لقد حدد هجلمسلف Hjelmslev مفهوم مصطلح lexie بالوحدة، كما حدده بارث في "وحدة القراءة" وهو في هذا الصدد يتأسس كإجراء في مجال تحليل الخطاب، أما بوتي Pottier فهو يستخدمه لتعيين وحدات على مستوى المضمون، والمصطلح بهذا التوجه له أبعاد متنوعة، ويدعو إلى التمييز ما بين ثلاثة أنواع من الكلمة، فهناك كلمـة عاديـة وكلمة مركبـة وكلمـة معقدة .

وأخذا بعين الاعتبار هذه المفاهيم، نقترح مصطلح "عَجَمَة" مقابل مصطلح Lexie والعَجمة لغويا: حبة العنب حتى تنبت/ النخلة تنبت من النوى، والعجمة كمصطلح هنا تحيلنا إلى نواة الكلمة و وحدتها سواء كانت كلمة عادية أو مركبة أو معقدة، وهذا ما يجعلنا نستبعد مصطلح "كلمة "أو"التحليل اللفظي" أو" لفظة" أو "تحليل مفرداتي" ، تفاديا لكل خلط نظرا لما يخلقه من التباس في ذهن القارئ، وحتى يتسنى لنا أن نعطي مدلولا اصطلاحيا محددا لمفهوم المصطلح في مجال الدراسة المعجمية والدلالية واللسانية.

وفيما يخص مصطلح Lexique الذي يراد به قائمة المصطلحات التي تجمع عددا من المفردات في موضوع ما، أو حقل ما، أو مجموع مفردات شاعر أو كاتب، كما يطلق على مجموع المفردات لمعجم ما، أو قائمة المفردات الأساسية في لغة ما.

وكما يتبين من هذا التوضيح أن المصطلح lexique يتضمن مفهوما إجرائيا، تتحدد في ضوئه نوعية التحليل والمعالجة التي نهدف إليها، ولا ينبغي في هذا الصدد الخلط ما بين الرصيد lexique والمدونة أو المكنز corpus، التي تعني مجموعة محددة من الملفوظات بهدف تعيين اللغة الطبيعية موضوعا للمعرفة.

ونلاحظ أيضا فيما يتعلق بمصطلح lexique تباينا واختلافا بين الباحثين، فبينما اختار د. المسدي مصطلح "الرصيد" نجد د. الودغيري يفضل مصطلح "المعجم" ويراه مناسبا، انطلاقا من المفهوم الذي يحدده وهو المجموع المفترض (أي الموجود بالقوة لا بالفعل)، واللامحدود من الوحدات المعجمية التي تمتلكها جماعة لغوية معينة بكامل أفرادها، أو يمكن أن تمتلكها احتمالا لفعل القدرة التوليدية الهائلة للغة . ويتفق في ذلك مع رمزي بعلبكي أما د. الخولي فقد اختار مصطلح "مفردات اللغة" و"معجم" و"قاموس"، ثم استقر رأيه فيما بعد على "مفردات" أما "المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات" فهو يمدنا بمصطلحين: " مجموعة المفردات" و "متن اللغة" والترادف لا معنى له في مجال توحيد المصطلح، وأعتقد أننا إذا استقصينا مفهوم مصطلح “lexique” نجده يتضمن معنى الرصيد الخاص بموضوع ما، أو حقل ما، كما أوضحنا ذلك، وهو ما يشكل معجما مصغرا ضمن النسق الذي اخترنا اتباعه للمحافظة على الاتساق الاصطلاحي.

وفيما يتعلق بمصطلح lexical الذي يعني كل ما يتعلق بالرصيد المعجمي، أي ما يمس المفردات التي يتضمنها رصيد ما، فإن المقابل الذي نراه ملائما لهذا المصطلح هو "معجمية"، وهو الذي نجده عند أغلب الباحثين، ومنهم من يضيف قاموسي أو "مفرداتي"، وهنا يجب عدم الخلط بين مصطلح "معجمي" lexical ومصطلح "المعجمية " أي ما يقابل. La lexicologie

والإشكال نفسه يمس أيضا مصطلح Lexicométrie وهو مصطلح يرتبط بالمعجمية الإحصائية في معالجته ودراسته للرصيد، أو الأرصدة المعجمية، وقد وضع له المسدي مقابلا هو "إحصاء معجمي"، ونعتقد أن عملية الإحصاء تقوم على الخبرة، لذا يمكن أن نلجأ إلى مصدر عجم، أي"عجوم" عجم الشيء يعجمه عجما وعجوما يحضه ليعلم صلابته من خَوَرِهِ، وقيل لاكه للأكل، أو للخبرة، وعجمته الأمور درَّبَته، وعجمت الرجل إذا خبرته، لـذا يمكـن أن نستعير من هذا المعنى "عجومـى" لتعني Lexicométrie.

وبالنسبة لمصطلح Lexicalisation فإن معناه يتحدد في ضوء شبكة اللغة القائمة على العلائقية، وهو ما يعني تعيين السمات المعجمية لنقاط هذه العلائقية التي تحددها المصطلحات، وما نقترحه مقابل هذا المصطلح هو: مَعْجَمَة، و نجده مناسبا وملائما لغة واصطلاحا، ويدخل في سياق النسق الذي اعتمدنا عليه في وضع المصطلحات المعجمية، ولقد اعتمده كل من الودغيري وبسام، وهنا لابد من الإشارة مع شيء من الاستغراب إلى المقابل الذي وضعه المسدي بهذا المصطلح : أي تعجيم، وهو بعيد كل البعد عن ماهية مفهوم " Lexicalisation"، وما يثير الاستغراب أكثر هو أنه وضع مقابل Lexicaliste مصطلح تعجيمي، ولم يفهم أن مصطلح Lexicaliste هو مجرد نسبة إلى Lexical، وليست إلى Lexicalisation. ونشير في هذا الصدد أن الخولي اختار لهذا المصطلح "تعبير مفرداتي" ، أما "المعجم الموحد "فلقد اختارت الجماعة التي أشرفت على إنجازه مصطلح: "تلغية" (تحول إلى كلمة مفردة)

وإذا عدنا إلى مصطلح المعجماتية المقترح، فإننا نصادف إشكالات مصطلحية أخرى لعدد من المصطلحات الجديدة المتولدة عن المعجـم le dictionnaire ، ومن بيـنها le dictionnairique ، و .dictionnarité

ويمكن حل هذا الإشكال انطلاقا من كلمة " المعجم" ومن جذرها اللغوي، القابل للتوليد والاشتقاق، و يمكن إخضاعه للصيغ التي نحتاجها، وبذلك فإن مصطلح dictionnairique leيمكن أن نعطيه مصطلح المعجمائية ومصطلح dictionnarité يمكن أن نعطيه مصطلح المعجماتية.

وهذا ما يجعلنا نستبعد مصطلح قاموس وقاموسية لأن دلالته محدودة في معناه اللغوي الضيق : البحر العظيم، ويخلق استعماله التباسا في المفهوم المراد تحديده، وبالإضافة إلى هذا لابد أن نأخذ بعين الاعتبار التطور التكنولوجي الذي مس صناعة المعاجم باعتمادها على الحواسيب التي أصبحت تحرق المراحل التي يستغرقها إنجاز المعاجم ، و هذا ما جعل الدراسات المعجمية الغربية تنظـر إلى مصطلـح la lexicographie كمصطلح تقليدي متجاوز.

ولكي نحافظ على نسق علم من العلوم والتعامل مع مصطلحاته لابد أن نستثمر كل الاجتهادات اللغوية في هذا الصدد، ومن هذه الوجهة أرى من المفيد من الجانب اللغوي المحض أن نحافظ على مادة (ع ج م) واستقصائها مادامت قابلة لتمدنا بصيغ مرنة، وهذا ما يجعلني أستبعد مصطلح "قاموس" من الدراسة المعجمية، مع التأكيد على أن تسمية الفيروزابادي لعمله المعجمي بالقاموس، كانت مجرد تقليد متعارف عليه لإيجاد العنوان المناسب والملائم والمعبر، ولاعلاقة له بأي دلالة اصطلاحية، كما هو الشأن بالنسبة لمعجم"العين" و"جمهرة اللغة" و"الصحاح" و"المجمل"و"المحكم" و"لسان العرب" و"العباب"، وعندما أراد الزبيدي أن يعطي عنوانا لمعجمه، لم يكن ليسميه بالقاموس - مع العلم أنه شرح له بجانب إضافات لما أهمل -، بل أعطاه تسمية خاصة: "تاج العروس من جواهر القاموس".. فهذه التسميات لا علاقة لها بالعمل المعجمي في ذاته، من هنا فإن ملاحظة إبراهيم السامرائي يمكن أخذها بعين الاعتبار، ولا يهم ونحن نبحث في إيجاد مصطلح ما أن نقف مكتوفي الأيدي أمام التعريفات التي أوردتها بعض المعاجم لكلمة قاموس لكونها أصبحت شائعة، وعندما يتعلق الأمر بإيجاد مصطلحات علمية، فلابد من التخلص من كل العوائق اللغوية والبقاء في دائرة المادة العلمية لاستنباط ما يتلاءم مع أهدافها ومضامينها و مفاهيمها.

لا نعتقد أننا قدمنا حلا فاصلا لكل ما اقترحناه من مصطلحات، ولكن وكما نقول باستمرار فإن الاستعمال يبقى هو المحك، وهو ما يكشف عن قابليتها للتداول والشيوع.

- منتديات مكتبتنا العربية -

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

فيديو