المعجم والقاموس (دراسة تطبيقية في علم المصطلح)
اللسانيات - المعجم
الخميس, 22 أبريل 2010 20:12

المعجم والقاموس

(دراسة تطبيقية في علم المصطلح)

 

د. علي القاسمي (*)

 

100ـ المشكلة:

يسعى علم المصطلح الحديث إلى تخصيص مصطلح واحد للمفهوم الواحد في الحقل العلمي الواحد، بحيث لا يعبر المصطلح الواحد عن أكثر من مفهوم واحد، ولا يُعبَر عن المفهوم الواحد بأكثر من مصطلح واحد. وهذا يتطلب التخلص من الاشتراك اللفظي والترادف في المصطلحات.

ولما كان كثير من المثقفين الناطقين باللغة العربية يستخدمون لفظتي(معجم) و(قاموس) بوصفهما مترادفتين، فإن بعض اللسانيين العرب، من لغويين ومعجميين ومصطلحيين، حاولوا الاستفادة من تخصيص هذين المترادفين للتعبير عن ثنائيات مفهومية تكاثرت بفضل النمو المطرد في البحث اللساني الحديث.

وهكذا ارتأى بعضهم الاستفادة من هاتين اللفظتين للتفريق بين المفهوم 1 (مجموع المفردات المفترض للغة) والمفهوم 2 (مجموع المفردات المختارة التي يضمها كتاب مع معلومات لغوية أو معرفية عنها)، فخصوا المفهوم 1 بلفظ (المعجم) والمفهوم 2 بلفظ (قاموس). وذهب بعضهم الآخر إلى أن كلمة (معجم) ينبغي أن تطلق على (المخزون المفرداتي الذي يمثل جزءا من قدرة المتكلم/المستمع اللغوية) في مقابل (قاموس) التي يجب أن تطلق على (المجموع المفرداتي في كتاب).

ومن ناحية أخرى فإن مبدأ الاقتصاد في اللغة شجع بعض المصطلحيين على تفضيل المصطلح البسيط المؤلَّف من لفظ واحد على المصطلح المركب المكون من لفظين أو أكثر. ومن هنا نَحوا إلى تخصيص لفظ (القاموس) للدلالة على نوع معين من المعاجم هو (المعجم الأحادي اللغة) والاحتفاظ بلفظ (المعجم) للتعبير عن نوع آخر هو(المعجم الثنائي اللغة)، على غرار تواضع المترجمين على إطلاق لفظ (المترجم) على (المترجم التحريري) ولفظ مرادفه (الترجمان) على (المترجم الشفوي الفوري).

ونظرا لأن المفاهيم اللسانية تتكاثر بتقدم البحث العلمي وأن المعاجم تتنوع بتعدد الحاجات المعرفية للإنسان، فإننا لا نستبعد أن يلجأ لسانيون عرب آخرون إلى استخدام كلمتي (معجم) و (قاموس) للتعبير عن مفاهيم لغوية جديدة أو أنواع مختلفة من المعاجم.

إن تخصيص مترادفين للتعبير عن مفهومين مختلفين محاولة مشروعة وأمر محمود يؤدي إلى التقليل من الترادف ويسهم في تيسير عملية التواصل بين المتخاطبين. ولكي يكون هذا التخصيص مؤديا للغرض مفيدا ينبغي أن لا يتعارض مع الاستعمال الساري وأن يحظى بقبول الناطقين باللغة حتى ينال مرتبة الشيوع. أما إذا اقتصر أمره على فئة محدودة تخالف المتفق عليه بين الجمهور، فإن تلك المحاولات قد تؤدي إلى عكس ما تتوخاه وتنتج عنها ازدواجية مصطلحية، تعيق حركة انتقال المعرفة وتضر بالتواصل بين أبناء الأمة الواحدة.

200ـ المعجم

كلمة (المعجم) ـ في المعاجم التراثية ـ مشتقة من مادة (ع ج م)، و(العجمة) هي عدم الفصاحة وعدم البيان، و(الأعجم) هو الذي لا يفصح ولا يبين، و(أعجم الكلام) جعله مشكلا لا بيان له، أو أتى به أعجميا فيه لحن، وعادة ما يؤخذ الشاهد على ذلك من قول رؤبة أو الحطيئة:

الشعر صعب وطويل سُلّمُـه

إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه

زلت به إلى الحضيض قدمه

يريد أن يعـربه فيعـجـمه

وفي "لسان العرب" : " أعجمت الحرف: بينته بوضع النقط السوداء عليه... وأعجم الكتاب: نقّطه وأزال استعجامه على سبيل السلب، لأن صيغة (أفعل) الأصل فيها الإثبات، وقد تأتي للسلب."

وقد استخدمت كلمة (معجم) في وقت متأخر للدلالة على كتاب ترتب فيه المعلومات بطريقة معينة، من قبل علماء الحديث أولا، قبل أن يستخدمها علماء اللغة. ويجمع لفظ (معجم) على معاجم ومعجمات.

210ـ تسمية المعاجم في التراث العربي

من الناحية التاريخية، مر المعجم العربي في تطوره بمراحل متعددة حتى بلغ ما هو عليه الآن. ولم يطلق عليه اسم (معجم) في جميع تلك المراحل. فقد بدأت المعجمية العربية انطلاقا من عناية المسلمين بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وحرصهم على فهمها والوقوف على غريبهما. والمقصود بغريب القرآن أو غريب الحديث اللفظ الغامض البعيد عن الفهم "كما أن الغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل." (أحمد الشرقاوي إقبال،1987: 7) وكان أول كتاب في غريب القرآن لعبد الله بن عباس بن عبد المطلب، الملقب بحَبر الأمة وبترجمان القرآن المتوفي سنة 68 هـ ثم تعددت الكتب التي تحمل عنوان (غريب القرآن) و (غريب الحديث) ( المصدر السابق نفسه). وفي هذه المرحلة لم تستخدم كلمة (معجم) لوصف تلك الأعمال المعجمية.

وفي المرحلة الثانية أخذ علماء اللغة يشدون الرحال إلى البادية لمشافهة الأعراب وجمع المادة المعجمية من مصادرها الأصلية وتدوينها ثم تصنيفها تصنيفا موضوعيا وإصدارها في رسائل صغيرة تضم المفردات المتعلقة بخلق الإنسان وخلق الحيوان والنبات والحرب والأسلحة. وكانت تلك الرسائل تحمل عنوان (كتاب) مثل (كتاب الخيل) و (كتاب الإبل) و (كتاب الشاء) و (كتاب الحشرات) و (كتاب الطير). وهي بمثابة معاجم مختصة يصنفها عدد غير قليل من أئمة اللغة في ذلك العصر مثل كالكسائي ( ت 200هـ) والنضر بن شميل (ت 204هـ) وقطرب (ت 206) وأبي عبيدة (ت 210) والأصمعي ( ت 216) (جواد حسني عبد الرحيم:1999:381). ولم تحمل معاجم الموضوعات تلك كلمة (معجم) في عناوينها وإنما (كتاب)، كما ذكرنا.

وتتسم المرحلة الثالثة بظهور المعاجم العامة المتكاملة وتؤرخ عادة ب (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي(100ـ175هـ) وكتاب (الجيم) لأبي عمر الشيباني (ت 206هـ) و(البارع في اللغة) لأبي طالب المفضل الضبي (ت 290هـ)، و(جمهرة اللغة) لابن دريد (ت 321هـ)، و(البارع في اللغة) لأبي علي القالي (ت 356هـ)، و(تهذيب اللغة)لأبي منصور الأزهري (ت370هـ). وفي هذه المرحلة وما تلاها من مراحل تطور المعجم العربي نجد أن المعجميين العرب يفضلون إطلاق اسم علم على معاجمهم مثل (المحيط) و (المحكم) و (العباب) و(القاموس). ولا نجد كلمة (معجم) في عناوين مثل هذه التصانيف إلا في أواخر القرن الرابع الهجري في (المعجم في بقية الأشياء) لأبي هلال العسكري وفي أواخر القرن الخامس الهجري في (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع) لأبي عبيد البكري، وكلاهما معجم مختص.

وقد استمر هذا التقليد في إعطاء المؤلفين اسم علم لمعجمهم حتى النهضة العربية الحديثة، فأصدر بطرس البستاني (1819 ـ 1883) معجمه (محيط المحيط) ومختصره معجم (قطر المحيط)، ونشر لويس معلوف (1846 ـ1946) معجمه (المنجد)، وحملت معاجم ثنائية اللغة أسماء مثل (المورد) و (المنهل) وما إلى ذلك. ثم أخذ عدد من المؤسسات الثقافية يستخدم كلمة (معجم) في عناوين أعمالها المعجمية. وفي طليعة هذه المؤسسات مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي نشر (المعجم الوسيط) عام 60/ 1961 ، ومؤسسة لاروس التي أصدرت (المعجم العربي الحديث) عام 1987 ، والمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة التي نشرت (المعجم العربي الأساسي) عام 1989. إضافة إلى أن كثيرا من المؤلفين أخذوا يستعملون كلمة (معجم) في عناوين مؤلفاتهم المعجمية.

300ـ القاموس

في نطاق إطلاق نعوت الماء والبحر على التصانيف المعجمية كالعباب والمحيط اتخذ مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت 817 هـ) اسم (القاموس المحيط) عنوانا لمعجمه.

ويخبرنا الفيروزآبادي في معجمه المذكور أن كلمة (قاموس) تعني "معظم ماء البحر". و(القاموس)مشتق من مادة ( ق م س). وفي (لسان العرب) لابن منظور: قمس في الماء يقمس قموسا: انغط ثم ارتفع، وقمسه فانقمس أي غمسه فيه فانغمس، يتعدى ولا يتعدى, والقاموس والقومس: قعر البحر، وفي الحديث الشريف: "قال قولا بلغ به قاموس البحر" أي قعره الأقصى. وقيل القاموس: معظم ماء البحر أو وسطه.

وبعد صدور (القاموس المحيط) بفترة وجيزة انتشر انتشارا واسعا، وذلك لأن صاحبه جمع فيه محاسن أفضل المعاجم التي سبقته كالمحكم لابن سيده والعباب للصاغاني، وجعله في حجم يسهل استنساخه وتداوله وحمله، "فطار صيته في كل مكان وشاع ذكره على كل لسان"، كما يقولون، و"اشتهر في المدارس اشتهار أبي دلف بين محتضره وباديه، وخف على المدرسين أمره إذا تناولوه، وقرب عليهم مأخذه فتداولوه وتناقلوهّ كما يقول عنه مرتضى الزبيدي في مقدمة معجمه (تاج العروس من جواهر القاموس) الذي ـ كما هو ظاهر من عنوانه ـ يتخذ من معجم القاموس منطلقا له، وهذا شأن كثير من المعاجم اللاحقة التي جعلت من (القاموس) أساسا لها مثل معجم (محيط المحيط) لبطرس البستاني (1819ـ1883). كل هذه الأسباب جعلت الناس يطلقون كلمة (قاموس) على أي معجم آخر من باب إطلاق اسم أحد أفراد النوع على النوع كله، أو ما يسميه الدكتور إبراهيم أنيس بـ "تعميم الدلالة (إبراهيم أنيس، 1976: 154)

ويرى الدكتور عباس الصوري، الذي كان من أوائل الذين درسوا مشكلة تسمية (المعجم والقاموس)، أن هذه الظاهرة كادت أن تتكرر بعد صدور معجم (المنجد) للويس معلوف وانتشاره واشتهاره، فيقول: " أضحى هذا المعجم ظاهرة العصر بحيث نجده في مكتبة الأديب والباحث والمدرس والتلميذ في أحجام كبيرة ومتوسطة وصغيرة، ولاتساع نطاق شهرته بين متعلمي اللغة العربية غطى اسمه على بقية المعاجم الأخرى إلى حد اختلط الأمر على الطلاب فأصبحوا يستعملون لفظة (المنجد) للدلالة على معنى القاموس..." (عباس الصوري، 1998: 16).

وعلى الرغم من أن بعض اللغويين المتشددين يعتبرون استعمال كلمة (قاموس) بمعنى (معجم) نوعا من الخطأ الشائع، كما يرى الدكتور إبراهيم السامرائي، فإن هذا لا ينفي أن كلمة (قاموس) أصبحت مرادفة لكلمة (معجم) في اللغة العربية الفصيحة المعاصرة، ودخلت في (المعجم الوسيط) لمجمع اللغة العربية في القاهرة وفي (المعجم العربي الأساسي) للمنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة(عباس الصوري، 1998 : 9)

400ـ المعجم والقاموس

إذن تُستخدم لفظتا (معجم) و(قاموس) في اللغة العربية المعاصرة بوصفهما مترادفتين، أحببنا ذلك أم كرهنا. والترادف في اللغة، إن وجد حقا، ينبوع ثر تهفو إليه أفئدة الأدباء، من شعراء وكتاب، لإغناء نصوصهم بمفردات متنوعة. ولكن المصطلحيين وأصحاب الاختصاص يحبذون، كما أشرنا من قبل، أن يختص المفهوم العلمي الواحد بمصطلح واحد لتكون نصوصهم ذات دلالة دقيقة مضبوطة. وهكذا فهم يميلون إلى التخلص من الترادف والاشتراك اللفظي للتخلص من أي تشويش دلالي محتمل.

ومن الأمثلة على ذلك اللفظان المترادفان (مترجم) و(ترجمان) اللذان يطلقان على من يقوم بنقل النصوص من لغة إلى أخرى. وعندما ازداد التواصل الإنساني بفضل الثورة الصناعية وتطور وسائل النقل في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وتفاقمت الحاجة إلى المترجم الشفوي الفوري في الملتقيات والمؤتمرات الدولية، وطورت الصناعة أجهزة كهربائية لتيسير عمل المترجمين الفوريين، وأخذت معاهد تعليم الترجمة توزع طلابها على تخصصين مختلفين هما الترجمة التحريرية والترجمة الشفوية الفورية، اشتدت الحاجة إلى مصطلحين مختلفين للدلالة على هذين النوعين المتباينين من المترجمين. وعند ذاك لجأ أصحاب المهنة إلى الاستفادة من الترادف الموجود في اللغة العربية فاصطلحوا على إطلاق لفظ (المترجم) على المترجم التحريري وإطلاق لفظ (ترجمان) على المترجم الشفوي الفوري. وكان لهم سند في تراث العرب اللغوي مستمدا من قول النابغة الذبياني:

إن الثمانين، وقد بلغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان

410 ـ مفردات الأمة ومفردات الكتاب:

عرف علم اللغة انطلاقة جديدة في أواخر القرن التاسع عشر وازدهر أواسط القرن العشرين. وقادت البحوث اللغوية الحديثة إلى ظهور عدد من المفاهيم الحديثة. وقد فرّق بعض هذه البحوث بين مفهومين: الأول "المجموع المفترض واللامحدود من الألفاظ التي تملكها جماعة لغوية معينة بكامل أفرادها" وهو ما اصطلح اللسانيون على تسميته بالإنجليزية Lexicon وبالفرنسية lexique. والمفهوم الثاني هو " مجموعة من الألفاظ المختارة المرتبة في كتاب ترتيبا معينا مع معلومات لغوية أو موسوعية عنها"وهو ما اصطلح عليه بالإنجليزيةDictionary وبالفرنسية dictionnaire.

وعندما واجه اللغويون العرب المعاصرون هذا الفرق بين المفهومين، ارتأى بعضهم الاستفادة من اللفظين المترادفين (معجم) و (قاموس) فخص المفهوم الأول بكلمة (معجم) وترك كلمة (قاموس) للمفهوم الثاني.

وفي واقع الأمر كان علماء اللغة العرب القدامى يدركون الفرق بين المفهومين. وكانت همتهم العالية تحدوهم إلى محاولة تصنيف معجم يلم لا بجميع المفردات الموجودة في اللغة العربية فحسب، وإنما بجميع المفردات الممكنة الوجود كذلك. وقد تجلت هذه المحاولة في البرنامج الطموح الذي صممه أبو المعجمية العربية الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه الموسوم بـ "كتاب العين"، وذلك باتباع طريقة تقليبات الجذور لتحديد المواد المستعملة والمهملة وغير الممكنة الوجود لأسباب صوتية وغيرها. وهذا معنى قول الخليل في مقدمة المعجم إنه أراد أن يصنف كتابا يكون "مدار كلام العرب وألفاظهم، لا يخرج منها عنه شئ." (الخليل، 1980: 18).

ومن اللسانيين العرب الذين يستعملون (معجم) و (قاموس) بمعنيين مختلفين الدكتور عبد العلي الودغيري الذي يستخدم كلمة معجم للدلالة على "المجموع المفترض (أي الموجود بالقوة لا الفعل) واللامحدود من الوحدات المعجمية التي تمتلكها جماعة لغوية معينة بكامل أفرادها، أو يمكن أن تمتلكها احتمالاً، بفعل القدرة التوليدية الهائلة للغة."وهكذا فمعجم مقابل lexique. ويستعمل كلمة (قاموس) للتعبير عن كل كتاب "يجمع بين دفتيه قائمة تطول أو تقصر من الوحدات المعجمية (المداخل) التي تحقق وجودها بالفعل في لسان من الألسنة، ويخضعها لترتيب وشرح معينين." (الودغيري، 1989: 130)

ويلاحظ أن هذا الاستعمال مغاير لاستعمال الجمهور، كما سنرى فيما بعد.

ويتبنى الدكتور عبد القادر الفهري موقفا مماثلا في كتابه "المعجم العربي" فيقول ما نصه: "إن معرفة مجموع مفردات اللغة، أو معجمها، تقتضي الإحاطة بعدد هائل من المعلومات عن هذه المفردات، وضمنها خصائصها الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية والبلاغية."

ويواصل كلامه في نفس النص فيقول: "وقد قامت في الحضارات المختلفة صناعة قاموسية (أو معجمية) تتوخى وصف هذه المعرفة في جوانب ومستويات محددة بحسب الأهداف التي يوضع لها المؤلًَف القاموسي." (الفاسي الفهري، 1986: 14-13)

ويلاحظ في الفقرة الأولى أن الكاتب يستخدم عبارة "معجم اللغة" بمعنى (Lexicon, lexique ) ويميل في الفقرة الثانية إلى استخدام "قاموس" بمعنى (Dictionary, dictionnaire) ، ولكنه يستعمل في الوقت نفسه لفظ (معجم) مرادفا لـ (قاموس). وهذا لا يخالف صراحة الاستعمال الشائع للفظين.

ويسير على نهج الدكتور الودغيري أحد تلامذته، السيد عبد الله ولد عبد المالك، الذي أعد بحثا لنيل دبلوم الدراسات العليا في جامعة محمد الخامس أوضح في بدايته أنه سيستخدم كلمة (معجم) مقابلا للكلمة الفرنسية (lexique ) وكلمة (قاموس) مقابلا للكلمة الفرنسية ((dictionnaire. (عبد المالك،1999: 5). ولكن بعد أسبوع واحد من مناقشة ذلك البحث، نوقشت في القاعة ذاتها رسالة دكتوراه دولة قدمها الباحث جواد حسني عبد الرحيم سماعنه بعنوان "المصطلحية العربية بين القديم والحديث" استخدم فيها كلمتي (معجم) و(قاموس) بوصفهما مترادفين (سماعنة،1999). وهذا التناقض في الاستعمال في مؤسسة واحدة يبين أهمية البحث في هذه التسمية بصورة موضوعية.

420: مفردات الفرد ومفردات الكتاب:

ومن ناحية أخرى اتجهت بعض البحوث اللغوية الحديثة إلى التمييز بين مجموع المفردات الموجودة في معجم من المعاجم وبين الثروة اللفظية لفرد من الأفراد. ومعلوم أن رصيد الفرد الواحد من المفردات يقل بكثير عن مفردات معجم متوسط مهما كانت ثقافة ذلك الفرد، كما تقل مجموع مداخل المعجم مهما كان كبيرا عن مجموع المفردات المفترض الذي تمتلكه الجماعة اللغوية.

وهنا لجأ بعض اللغويين العرب إلى الكلمتين المترادفتين (معجم) و(قاموس) لاستخدامهما للتعبير عن مفهومين مختلفين، كما فعل الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري في إحدى دراساته حيث خصص لفظ (المعجم) للدلالة على "المخزون المفرداتي الذي يمثل جزءا من قدرة المتكلم/المستمع اللغوية" وجعل لفظ (القاموس) يدل على "لائحة المفردات ومعانيها التي يضمها كتاب." (الفاسي الفهري،1985: 73)

430ـ المعجم الأحادي اللغة والمعجم الثنائي اللغة:

إذا كانت المحاولات السابقة في تخصيص (معجم) و (قاموس) تستند إلى المبدأ المصطلحي القاضي بالتخلص من الاشتراك اللفظي، فإن محاولات أخرى تناولت هاتين الكلمتين كانت تطبيقا لمبدأ مصطلحي آخر هو الاقتصاد في اللغة ومفاده أن المصطلح الذي يتألف من لفظ واحد أفضل من المصطلح الذي يتكون من أكثر من لفظ واحد. ومبدأ الاقتصاد في اللغة يرمي إلى تيسير الاتصال.

ومن المحاولات في المجال المعجمي لاستعمال مصطلحات بسيطة (أو مؤلفة من لفظ واحد) بدلا من مصطلحات مركبة (أو مكونة من أكثر من لفظ واحد) تلك المحاولة التي أقدمت عليها اللسانية المغربية الدكتورة ليلى المسعودي للتفريق بين الأنواع المختلفة للمعاجم. ويرمي تصنيفها إلى التفريق بين المعاجم الأحادية اللغة والمعاجم الثنائية اللغة أو المتعددة اللغات، وكذلك بين المعاجم التي تشتمل مداخلها على تعريفات وتلك المعاجم التي تشتمل مداخلها على مقابلات فقط. ويعتمد تصنيفها معايير عديدة هي: طريقة المعالجة، وخصائص المسرد، وخصائص المفرد، وخصائص التعريف، وعدد اللغات، والموقف اللساني، والبعد الزمني، والوظيفة. وترتب هذه المعايير في شكل جدول، وينتهي الأمر بها إلى تحديد أربعة أنواع من الأعمال المعجمية هي 1) القاموس 2)المعجم 3) الملفظة 4) الملسنة.

وما يهمنا من هذا التصنيف أستخدام الدكتورة المسعودي للمترادفتين (معجم) و(قاموس). فقد خصصت لفظ (معجم) للدلالة على المعاجم المتعددة اللغات التي لا تشتمل على تعاريف، واستعملت لفظ (قاموس) للدلالة على المعجم الأحادي اللغة أو المتعدد اللغات الذي يشتمل على تعاريف. ففي تعليقها على جدول معايير تصنيفها تقول ما نصه: "ويبين الجدول أن (المعجم) يكون متعدد اللغات في حين أن (القاموس) يمكن أن يكون أحادي اللغة أو متعدد اللغات، كما يتسم الأول بغياب التعاريف والاكتفاء بتقديم مجموعة من المصطلحات في شكل مقابلات معجمية تنبني على علائق التكافؤ القائم أو المفترض بين اللغة المصدر واللغة أو اللغات الهدف." (المسعودي، 1998: 166)

وهذا الاستعمال مخالف لاستعمال الجمهور، كما سنرى فيما بعد.

500 ـ التراتيبية في المبادئ المصطلحية

510 ـ إن اجتهادات اللسانيين التي مر ذكرها والمتعلقة بإعادة تعريف لفظي (معجم) و(قاموس) للتعبير عن مفاهيم لسانية جديدة هي محاولات مشروعة بل مستحبة لثلاثة أسباب: الأول، إن ظهور مصطلحات جديدة تثري اللغة كان دائما نتيجة اجتهادات من لدن الناطقين بتلك اللغة. ثانيا إن من حق الباحث، بل من واجبه أحيانا، أن يبدأ بتعريف المصطلحات التي يستخدمها في بحثه ليقف القارئ على دلالاتها بيسر. فالاصطلاح تواضع واتفاق وليس إلهاما ولا تنزيلا، ولهذا قيل "لا مشاحة في الاصطلاح". وثالثا، إن تلك الاجتهادات كان دافعها تحقيق التماسك المصطلحي ودقة التعبير عن المفاهيم وذلك بتطبيق مبدإ التخلص من الترادف والاشتراك اللفظي ومبدإ الاقتصاد في اللغة الذي يحث على تفضيل المصطلح المفرد على المصطلح المركب.

وعلى الرغم من أن تلك الاجتهادات تستند إلى مبادئ مصطلحية متفق عليها، فإنها تتعارض في رأينا مع مبدإ مصطلحي آخر هو مبدأ الاستعمال والشيوع، الذي يشترط أن لا يتعارض المصطلح الجديد أو المفهوم الذي نخصه بمصطلح موجود مع ما هو مستعمل وشائع بين الناس أو بين المشتغلين في ذلك الحقل العلمي لئلا ينتج عن ذلك ازدواجية مصطلحية أو يتسبب في عرقلة عملية التواصل بين الناطقين بتلك اللغة. وقد يتساءل المرء عما يجب أن يفعله المصطلحي في حالة وجود تضارب أو تعارض بين مبدأين مصطلحيين أو أكثر. إن الحل المنطقي لهذا الإشكال يكمن ـ بلا شك ـ في ضرورة ترتيب تلك المبادئ طبقا لأهميتها وتقديم الأهم على المهم.

ولا نغالي إذا قلنا إن مبدأ الاستعمال والشيوع هو من أهم المبادئ المصطلحية إن لم يكن أهمها، لأن الغاية من استعمال المصطلحات هي تحقيق التواصل وتيسيره وعدم تعرض الرسالة إلى أي تشويش أو ضوضاء. وقد يحصل ذلك التشويش أو تلك الضوضاء من اختلاف المرسل والمتلقي في فهم مدلولات الرسالة. وقد يتحول هذا الاختلاف بينهما إلى خلاف (د. عز الدين البوشيخي، 1998: 22-27)

وهذا ما عبر عنه الدكتور مصطفى غلفان، في معرض نقده للمعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات، بقوله: "إن المفروض في معجم رسمي أن يدرس كل المصطلحات وأن يختار الشائع منها ليتم تعميمها وتوحيد اللسانيين العرب حول استعمالها، فهدف كل عمل اصطلاحي هو التوحيد أولا والابتكار ثانيا... كنا نريد لهذا المعجم أن يكون أساسا معجما موحدا، بيد أننا وجدناه يضيف متاعب أخرى للقارئ العربي من خلال اقتراحه مصطلحات لسانية جديدة مكان مصطلحات شاعت عربيا."(د.مصطفى غلفان، 1998 :149).

إن باب الاجتهاد في وضع المصطلحات أو إضفاء مفاهيم جديدة عليها مفتوح على مصراعيه، فاجتهاد اللغويين أو إبداع الشعراء والأدباء غالبا ما يؤدي إلى إثراء اللغة بمفردات وتعبيرات جديدة، ولكن يشترط أن تتوفر لهذا الاجتهاد الشروط اللازمة. وقد عني علماء المنطق والأصوليون كذلك بهذه الشروط. وفي هذا يؤكد عالم المنطق الدكتور طه عبد الرحمن أن المراد بالاصطلاح هو إطلاق اللفظ على المعنى، ويكون هذا الإطلاق باتفاق أفراد الجماعة أو"من فعل فرد واحد بأن يباشر من تلقاء نفسه هذا التخصيص لغرض تبليغي معين، وحق هذا الإطلاق الفردي أن يقبل التعدي إلى الغير. ويتعدى إطلاق اللفظ على المعنى إلى الغير متى كانت الاعتبارات البيانية التي أخذ بها الواضع الأول لهذا اللفظ تُفضي بغيره متى أخذ بها إلى أن يضع نفس اللفظ لنفس المعنى."(د.طه عبد الرحمن، 1999: 69).

وعلى الرغم من أن المجاز هو أهم وسائل إثراء المصطلحات وتنميتها، فإن نزع مصطلح من منظومة مفهومية ذات مرجعية معينة وإطلاقه على مفهوم ينتمي إلى منظومة مفهومية مشابهة تعتمد مرجعية مختلفة قد يؤدي إلى تعقيدات غير متوقعة. فـ (المعجم) في الاستعمال الشائع مصطلح ينتمي إلى مدرسة التراث اللساني العربي التي لها مرجعياتها الخاصة ومحاولة تخصيصه لمفهوم نابع من مدرسة لسانية غربية ذات مرجعيات مختلفة قد تسبب الإرباك، ويغدو تجنب صعوبة البحث الجاد عن مصطلح ملائم واللجوء إلى سهولة استعمال مصطلح موجود مجازا هو الصعوبة بعينها. وفي هذا يقول الدكتور فريد الإنصاري: " إن التجديد المصطلحي وإعمال مصطلحات التراث، لن يتم أبدا بتجاوز مرجعياتها، بل ذلك هو ما سيؤدي إلى موتها وهلاكها؛ لأن مرجعية المصطلح هي قلبه النابض الذي به يعيش، وإنما التجديد والإعمال رهين مواصلة البحث العلمي الجاد الذي يضيف إلى التراث ولا ينقصه."(د. فريد الأنصاري،2000: 26).

وفي الوقت الذي يؤكد فيه الدكتور عبد العلي الودغيري ضرورة الاهتمام بكل ما يطرأ على دلالات الألفاظ من تحول وتطور فإنه يضع شرطا هاما لذلك حين يقول: " على أن يكون المعيار هو كثرة الاستعمال. أما ما لم يشع ولم يكثر استعماله وتداوله فظل أمره مقصورا على كاتب بعينه أو شاعر بذاته أو متكلم وحيد من متكلمي اللغة، فهو ما ينبغي إهماله وعدم الالتفات إليه." (د. الودغيري، 1989 : 223-224). ونحن نتفق مع الصديق الدكتور الودغيري تمام الاتفاق، ولهذا فإننا سنلجأ إلى استقراء الاستعمال الشائع لمعاني (المعجم) و (القاموس).

520ـ(المعجم) و (القاموس) في الاستعمال المعاصر:

لمعرفة الاستعمال العربي المعاصر للفظي (معجم) و(قاموس) لا بد من دراسة إحصائية موضوعية. وهذا يتطلب الرجوع إلى جميع المعاجم والقواميس المتداولة في الوطن العربي للوقوف على كيفية استعمال مؤلفيها ـ وهم عادة من المتضلعين في اللغة ـ لهاتين اللفظتين. ومما ييسر هذه المهمة الإحصائية وجود ببليوغرافيا للمعاجم بعنوان "المراجع المعجمية العربية"( الثبيتي، 1989). وعلى الرغم من أن عمر هذه الببليوغرافيا ينيف على الأحد عشر عاما فإنها تعطينا فكرة تقريبية عن الاستعمال المعاصر للفظي (معجم) و(قاموس).

وبعد القيام بالإحصائية المطلوبة، تمكنا من تلخيصها (مع نسب مئوية تقريبية) في الجدول التالي تيسيرا لإطلاع القارئ على نتائجها:

ما لا يحمل أيّاً   من الاسمين

ما يحمل اسم (قاموس)

ما يحمل اسم (معجم)

المجموع

نوع العمل المعجمي

102

83 %

3

2 %

17

13 %

122

1. المعاجم والموسوعات الأحادية اللغة

56

38 %

73

49 %

18

12 %

147

2. المعاجم والموسوعات الثنائية ومتعددة اللغات

453

46 %

186

19 %

327

33%

966

3. المعاجم والموسوعات وقوائم المصطلحات المتخصصة

611

49%

262

21%

362

29%

1235

المجموع العام

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبعد تدقيق النظر في هذه الإحصائية نستطيع الخروج بالملاحظات التالية:

1) شملت الإحصائية كاملة 1235 عملا معجميا، 362 منها (أي 29 ٪) تحمل في عنوانها لفظ (معجم)، و 262 منها( أي 21٪) تحمل في عنوانها لفظ ( قاموس). وإذا ما علمنا أن معظم البقية الباقية من هذه الأعمال المعجمية وعددها (610) ليست كتبا منشورة، وإنما مجرد مجموعات مصطلحية في حقل من الحقول العلمية نشرت في أعداد مجلة (اللسان العربي) التي تعنى بنشر المقابلات العربية التي يضعها الأساتذة والباحثون للمصطلحات الإنجليزية والفرنسية، وتحمل عناوين مثل (اصطلاحات الكيمياء الحيوية) أو (مصطلحات الفيزياء النووية)، أدركنا السبب في عدم استعمال اسم (معجم) أو (قاموس) فيها.

وهكذا، فمن بين 624 عملا معجميا يحمل أحد الاسمين، نجد أن 362 منها (أي بنسبة 58 ٪ ) يحمل اسم (معجم) و 262 منها (أي بنسبة ٪30 ) يحمل اسم (قاموس).

نستنتج من ذلك أن لفظي (معجم) و (قاموس) مترادفان في الاستعمال الشائع، وأن مصنفي الأعمال المعجمية يفضلون إطلاق اسم (معجم) عليها. ولعل هذا التفضيل عائد إلى إدراك الأغلبية حقيقة أن (معجم) هي الكلمة الأصلية في اللغة العربية وأن كلمة (قاموس) استعملت مجازا أو بتوسيع المعنى.

2) إذا ألقينا نظرة على الحقل الأول في الجدول الذي يشتمل على المعاجم والموسوعات الأحادية اللغة وعددها (122) عملا معجميا في هذه الببليوغرافيا، نجد أن أغلبيتها (102 بنسبة 83٪ ) لا تحمل في عنوانها اسم (معجم) ولا (قاموس)، وإنما تسير على التقليد العربي القديم في اختيار اسم علم لكل معجم مثل (البستان) لعبد الله البستاني و (المرجع) لعبد الله العلايلي و(المنجد) للويس معلوف وهلم جرا. أما الأعمال المعجمية التي حملت اسم (معجم) أو (قاموس) في عناوينها فعددها 20 مطبوعا، 17 منها ( أي ما نسبته 85٪ ) تحمل اسم (معجم) و 3 منها فقط (أي بنسبة 15 ٪ ) تحمل اسم (قاموس). وهذا مخالف تماما للاقتراح الداعي إلى تخصيص كلمة (معجم) لتدل على (المخزون المفرداتي المفترض للغة) أو على (الثروة اللفظية للمتكلم/ السامع)، وتخصيص كلمة (قاموس) لتدل على (الكتاب الذي يتضمن مداخل مرتبة ترتيبا معينا ومعلومات عنها). كما إن الاستعمال الشائع الذي تبينه لنا الإحصائية المذكورة مخالف كذلك ( بل معاكس تماما) للاقتراح الرامي إلى تخصيص كلمة (معجم) للمعاجم الثنائية اللغة وكلمة (قاموس) للمعاجم الأحادية اللغة التي تشتمل على تعاريف.

3) وإذا ألقينا نظرة على الحقل الثاني من الجدول الذي يضم المعاجم والموسوعات ثنائية اللغة ومتعددة اللغات، وعددها 147، نجد أن نصفها تقريبا (أي 73 عملا معجميا) يحمل اسم (قاموس) في العنوان، وأن قسما ضئيلا منها ( 18 مطبوعا فقط، أي بنسبة 12 ٪ ) يحمل اسم (معجم). ونستنتج من ذلك أن مصنفي المعاجم الثنائية اللغة يميلون إلى إطلاق اسم (قاموس) عليها تاركين اسم (المعجم) ليطلق على المعاجم الأحادية اللغة التي تشتمل مداخلها على تعاريف وليس مقابلات فقط. وهذا يخالف تماما التوجه الذي يجعل من كلمة (قاموس) دالة على المعاجم الأحادية اللغة.

600 ـ مقترحات لحل الإشكالية

رُبَّ قائل يقول مع القائل، وهو محق فيما يقول: "النقد يسير والإبداع عسير" ، وإن الصفحات السابقة وجهت النقد لاجتهادات الآخرين ولم تقدّم أي بديل، فلم تبتكر المصطلحات اللازمة للتعبير عن المفاهيم اللسانية الجديدة أو الأنواع المعجمية المستعملة. والبديل لا يكمن في مخيلة الكاتب وإنما في التراث الغني للغة العربية. فبالعودة إلى اللغة العربية المستعملة والبحث فيها نجد ضالتنا من المصطلحات اللازمة.

610 ـ المتن والرصيد

إن مفهوم (المخزون أو المجموع المفرداتي المفترض للغة) هو ما عُبر عنه بلفظ (متن اللغة) أو (المتن). ولهذا فإن عددا من أصحاب المعاجم اختاروا عناوين تدل على أن مداخل معاجمهم هي مختارات من المخزون اللفظي للغة العربية ولا يدعون الإحاطة بجميع مفرداتها. فعلي سبيل المثال نجد معجما يحمل عنوان (معجم الطالب في المأنوس من متن اللغة العربية والاصطلاحات العلمية والعصرية) لجرجس همام الشويري صدر عن المطبعة العثمانية في بيروت عام 1907 ويقع في 1272 صفحة، ونجد معجما آخر يحمل عنوان (المعتمد فيما يحتاج إليه المتأدبون والمنشئون من متن اللغة) لجرجي شاهين عطية، نشرته مكتبة صادر في بيروت عام 1927 ويقع في 1024صفحة. وهذا المصطلح (أي المتن) هو الذي اعتمده "المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات"، مع تحفظنا على عدد من مصطلحات هذا المعجم التي لن تصمد بوجه الاستعمال والشيوع.

أما مفهوم الثروة اللفظية للفرد أو " المخزون المفرداتي الذي يمثل جزءا من قدرة المتكلم/ المستمع اللغوية" فيُطلق عليه عادة مصطلح (الرصيد). وفي السبعينات من القرن العشرين عهدت المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة إلى ثلاثة من اللغويين العرب هم أحمد الأخضر غزال (مغربي) وأحمد العايد (تونسي) والحاج صالح (جزائري) بمشروع (الرصيد اللغوي) لحصر المفردات المتحققة لدى الأطفال في سن معينة لاستثمارها في الكتب المدرسية التي تؤلَّف لفائدتهم من أجل تطوير معارفهم اللغوية باتباع المبدإ التربوي القاضي بالانتقال من المعلوم إلى المجهول ومن البسيط إلى المركب. كما إن هذا المصطلح شائع لدى عدد كبير من الباحثين اللغويين. كما ظهر هذا المصطلح بهذا المفهوم في "المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات"؟

620 ـ نتائج الدراسة الإحصائية

رأينا من الإحصائية التي أجريناها للاستعمال المعاصر أن (معجم) و(قاموس) يستخدمان بوصفهما لفظين مترادفين. وفي الوقت نفسه يغلب إطلاق اسم (معجم) على المعاجم الأحادية اللغة ويغلب إطلاق اسم (قاموس) على المعاجم الثنائية اللغة.

700 ـ حقول مفهومية متقاربة

يفرقون في اللسانيات الغربية بين ثنائيات في ميدان العمل المعجمي منها:( Lexicology and lexicography)، ومنها Terminology and)Terminography) . ويكمن الفرق بين مفردتي كل ثنائية في اللاحقتين: (Logy)ذات الأصل الإغريقي التي تعني دراسة أو علماً و graphy) ) التي تشير إلى الكتابة والخطاطة. وأصبحت اللاحقتان تدلان في اللغات الأوربية اليوم على العلم نفسه وتوثيق نتائجه.وقد انتقلت بعض هذه الثنائيات إلى الدرس اللساني العربي الحديث، فوضع له عدد من اللسانيين العرب مقابلات مختلفة.

710ـ المعجمية، علم المعجم، صناعة المعجم

فيما يتعلق بالثنائية الأولى Lexicologie et lexicogrphie فإن المصطلح الأول يشير إلى علم المفردات الذي يهتم بدراسة الألفاظ من حيث اشتقاقها، وأبنيتها، ودلالاتها، وكذلك بالمترادفات والمشتركات اللفظية والتعابير الاصطلاحية والسياقية. وهكذا فعلم المفردات يهيئ المعلومات الوافية عن المواد التي تدخل في المعجم. أما المصطلح الثاني فيخصص لصناعة المعجم التي تشتمل على خمس خطوات رئيسة هي: جمع المعلومات والحقائق، واختيار المداخل، وترتيبها طبقا لنظام معين، وكتابة المواد، ثم نشر النتاج النهائي (القاسمي،1991 : 3).

وبالاطلاع على المصطلحات العربية المستعملة في الميدان المعجمي، نستطيع القول إن مصطلح (المعجمية) يستعمل لتغطية كلا المجالين. وأما الدراسات المتعلقة بعلم المفردات فتنصب على البحث في معجم اللغة العربية أو متنها ولهذا يمكن أن تسمى هذه الدراسات بـ (علم المعجم). وأما مصطلح (صناعة المعجم) فهو مختص دائما بالشق الثاني من الثنائية المذكورة.

وهكذا يمكن أن نستعمل الشكل التالي:

المعجمية


علم المعجم                       صناعة المعجم

 

720 ـ المصطلحية، علم المصطلح، صناعة المصطلح

يتعلق الشق الأول من الثنائية الثانية، أي terminologie et terminography بالعلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها. ولكن الاستفادة من البحث الذي يضطلع به علماء المصطلح يتطلب توثيق المصطلحات. وللتوثيق ثلاثة جوانب: توثيق مصادر المصطلحات، وتوثيق المصطلحات، وتوثيق المعلومات عن المؤسسات المصطلحية. ويتم التوثيق باتباع أربع خطوات هي: تجميع المعلومات المتعلقة بالمصطلحات، وتسجيلها، ومعالجتها، ونشرها (القاسمي، 1985 : 17-35). وهذه الخطوات تذكرنا بالعمليات اللازمة لنشر المعجم التي يطلق عليها مصطلح (صناعة المعجم). ولهذا يمكن أن نستخدم مصطلح (صناعة المصطلح) للدلالة على التوثيق المصطلحي. أما (المصطلحية) فتشمل علم المصطلح وصناعة المصطلح. وهكذا ننتهي إلى الشكل التالي:

المصطلحية


علم المصطلح                      صناعة المصطلح

 

800 ـ الخاتمة

ليس هناك من سبب يدعونا إلى القلق على مصير المصطلحات في اللغة العربية، فالزمن والاستعمال كفيلان بالإبقاء على المصطلح الأصلح، واللغة العربية قادرة على استيعاب المفاهيم الجديدة وتمثلها. وما هذه الدراسة إلا محاولة لاستقراء الاستعمال والشيوع المتعلقين بمصطلحات معجمية مثل: معجم، وقاموس، ومتن، و رصيد.

 

 

المراجع والمصادر

إبراهيم أنيس، دلالة الألفاظ ( القاهرة : الكتبة الأنجلو-مصرية، 1976)

أحمد الشرقاوي إقبال، معجم المعاجم (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1987)

جواد حسني عبد الرحيم سماعنه، "المصطلحية العربية بين القديم والحديث" أطروحة لنيل دكتوراه الدولة من شعبة اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1999.

الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين (بغداد: دار الرشيد للنشر،1980) تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي.

طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة 2: القول الفلسفي (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،1999)

عباس الصوري، " في الممارسة المعجمية للمتن اللغوي" في اللسان العربي، العدد 45 (1998) 9-32.

عبد العلي الودغيري، قضايا المعجم العربي في كتابات ابن الطيب الشرقي (الرباط: منشورات عكاظ،1989)

عبد العلي الودغيري، " قضية الفصاحة في القاموس العربي التاريخي" في اللسان العربي، العدد 33 (1989) 119-134.

عبد القادر الفاسي الفهري، " تعريب اللغة وتعريب الثقافة" في المجلة العربية للدراسات اللغوية، عدد أغسطس (1985).

عبد القادر الفاسي الفهري، المعجم العربي ( الدار البيضاء: توبقال للنشر، 1986)

عبد الله ولد محمد عبد المالك، " قضية التعريف في القواميس العربية الحديثة" بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا من شعبة اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1999

عز الدين البوشيخي، "خصائص الصناعة المعجمية الحديثة وأهدافها العلمية والتكنولوجية" في اللسان العربي، العدد 46(1998) 22-27.

علي القاسمي، علم اللغة وصناعة المعجم ( الرياض: جامعة الرياض، 1975،1991)

علي القاسمي، مقدمة في علم المصطلح ( بغداد: الموسوعة الصغيرة،1985، القاهرة، 1989)

ليلى المسعودي، "ملاحظات حول معجم الدبلوماسية والشؤون الدولية" في اللسان العربي، العدد 46 (1998) 164-177

فريد الأنصاري، " أزمة المصطلح التراثي في الفكر العربي المعاصر" في الفيصل، العدد 280(2000) 23-27.

مسفر سعيد الثبيتي، المراجع المعجمية العربية (بيروت: مكتبة لبنان1989)

مصطفى غلفان، "المعجم الموحد لمصطلحات اللسانيات: أي مصطلح لأي لسانيات؟" في اللسان العربي، العدد 46 (1998)146-163.

فهرس

 

100المشكلة: 1

200المعجم 1

210 تسمية المعاجم في التراث العربي 2

300القاموس 2

400المعجم والقاموس 3

410 مفردات الأمة ومفردات الكتاب: 3

420 - مفردات الفرد ومفردات الكتاب: 4

430المعجم الأحادي اللغة والمعجم الثنائي اللغة: 4

500 التراتيبية في المبادئ المصطلحية 4

520ـ(المعجم) و (القاموس) في الاستعمال المعاصر: 5

600 مقترحات لحل الإشكالية 6

610 المتن والرصيد 6

620 نتائج الدراسة الإحصائية 7

700 حقول مفهومية متقاربة 7

710 المعجمية، علم المعجم، صناعة المعجم 7

720 المصطلحية، علم المصطلح، صناعة المصطلح 9

800 الخاتمة 11

المراجع والمصادر12

- مجلة اللسان العربي -

 

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4

ما لا يحمل أيّاً   من الاسمين

ما يحمل اسم (قاموس)

ما يحمل اسم (معجم)

المجموع

نوع العمل المعجمي

102

83%

3

2 %

17

13%

122

1. المعاجم والموسوعات الأحادية اللغة

56

38%

73

49%

18

12%

147

2. المعاجم والموسوعات الثنائية ومتعددة اللغات

453

46%

186

19%

327

33%

966

3. المعاجم والموسوعات وقوائم المصطلحات المتخصصة

611

49%

262

21%

362

29%

1235

المجموع العام

تابعونا على الفيس بوك


Face FanBox or LikeBox

فيديو